ففيهما فجاهد.. قصص عجيبة عن بر الوالدين

اخبار ليل ونهار. ففيهما فجاهد.. قصص عجيبة عن بر الوالدين. إن بر الوالدين مَرْضاة للرب…كما أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، وكيف لا يكون كذلك؛ وقد قرن الله بِرَّهما بالتوحيد!!

وها نحن نسمع بين الحين والآخر، وللأسف من أبناء الإسلام من يَزْجر أمه وأباه، أو يضربهما أو يقتل أمه أو أباه…. فلا حول ولا قُوة إلا بالله العلي العظيم…

وحق الوالدين باقٍ، ومصاحبتهما بالمعروف واجِبَة، حتى وإنْ كانا كافرين… ولم يقف حق الوالدين عند هذا الحد، بل تبرهما وتحسن إليهما حتى ولو أمراك بالكفر بالله، وألزماك بالشرك بالله….

فإذا أمر الله تعالى بمصاحبة هذين الوالدين بالمعروف؛ مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به، وهو الإشراك بالله، فما الظن بالوالدين المسلمين سِيَّما إنْ كانا صالحين، تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وأكدها، وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفق من هُدِي إليه، والمحروم كل المحروم من صُرف عنه….

وبر الوالدين من أعظم القربات وأجَلّ الطاعات، وببرهما تتنزل الرحمات، وتُكْشَف الكربات.

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].

{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8].

{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].

ماذا قال الحبيب
1 – عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: جَاءَ رجل إلى رَسُول اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – فقال: يا رَسُول اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قال: ((أُمُّكَ)) قال: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أُمُّكَ)) قال: ثم مَنْ؟ قال: ((أُمُّكَ)) قال: ثم مَنْ؟ قال: ((أَبُوكَ)) مُتَّفَق عَلَيْهِ.

2 – وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – قال: ((رَغِمَ أَنْف، ثُمَّ رَغِمَ أنف، ثم رَغِمَ أنف مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ – أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا – فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ)) رواه مُسْلِمٌ.

3 – وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال أقبل رجل إلى نبي اللَّه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – فقال: أُبَايعك على الهِجْرَة والجهاد؛ أبتغي الأجر من اللَّه تعالى. فقال: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قال: نَعَم؛ بَلْ كلاهما. قال: ((فتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؟)) قال: نَعَم. قال: ((فَارْجِعْ إِلى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)) متفق عَلَيْهِ. وهذا لفظ مسلم. وفي رِوَاية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟)) قال: نعم. قال: ((فَفِيهما فَجَاهِدْ)).

4- وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق – رَضِيَ اللَّهُ عَنْها – قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رَسُول اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم -، فاسْتَفْتَيْت رَسُول اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – قلت: قدمت علي أمي، وهي راغبة؛ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قال: ((نَعَمْ؛ صِلِي أُمَّكِ)) متفق عَلَيْهِ.

أحلى ما قال السلف
مكحول:
“بر الوالدين كَفَّارة للكبائر، ولا يزال الرجل قادرًا على البر مادام في فصيلته من هو أكبر منه”

سعيد بن المسيب:
عن ابن الهداج قال: “قلت لسعيد بن المسيب : “كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته، إلا قوله: {وقل لهما قولاً كريمًا} [الإسراء : 23]، ما هذا القول الكريم؟ فقال ابن المسيب: “قول العبد المذنب للسيد الفَظّ الغليظ”.

ابن عباس:
“يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، لا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما”.

ففيهما فجاهد.. قصص عجيبة عن بر الوالدين

وما قصة الثلاثة الذين أُطْبِق عليهم الغار فلم يستطيعوا الخروج منه، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها فقال أحدهم: “اللَّهُم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار، كنت أرعى عليهم، فإذا رجعت إليهم، فحلبت، بدأت بوالدي اسقيهما قبل ولدي، وإنه قد نأى بي الشجر (أي بعد علي المرعى) فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغَون عند قدمي (أي يبكون)، فلم يزل ذلك دَأْبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك؛ ابتغاء وجهك فافرج لنا، ففرّج الله لهم حتى يرون السماء”

وهل أتاك نبأ أُوَيْس بن عامر القرني؟ ذاك رجل أنبأ النبي – صلى الله عليه وسلم – بظهوره، وكشف عن سناء منزلته عند الله ورسوله، وأمر البررة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته، وابتغاء القُرْبى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه، وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم: ” كان عمر إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم، أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس بن عامر فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله يقول: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ اليَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثم مِنْ قَرَنٍ، كان به أَثَرُ بَرَصٍ فَبَرِأَ مِنْه إلاَّ مَوْضِع دِرْهَم، له والدةٌ هو بارٌ بها، لو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)). فَاسْتَغْفِرْ لِي، فاسْتَغْفَرَ له، فقال له عمر: أَيْنَ تُريدُ؟ قال: الكُوفة، قال: أَلا أَكْتُبُ لَكَ إلى عَامِلِها؟ قال: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيّ.

ولما علم سلفنا الصالح بعظم حق الوالدين، قاموا به حق قيام.

فهذا محمد بن سيرين إذا كلم أمه كأنه يَتَضَرَّع. وقال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئًا؟ قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.

وكان الإمام أبو حنيفة بارًّا بوالديه، وكان يدعو لهما ويستغفر لهما، ويتصدَّق كل شهر بعشرين دينار عن والديه، يقول عن نفسه : “ربما ذهبتُ بها إلى مجلس عمر بن ذر، وربما أمرتني أن أذهب إليه؛ وأسأله عن مسألة فآتيه وأذكرها له، وأقول له : إن أمي أمرتني أن أسألك عن كذا وكذا، فيقول : أو مثلك يسألني عن هذا ؟!، فأقول : هي أمرتني، فيقول: كيف هو الجواب حتى أخبرك؟، فأخبره الجواب، ثم يخبرني به، فأتيها وأخبرها بالجواب، وفي مرة استفتتني أمي عن شيء، فأفتيتها فلم تقبله، وقالت: لا أقبل إلا بقول زُرْعَة الواعظ، فجئت بها إلى زرعة وقلت له: إن أمي تستفتيك في كذا وكذا، فقال: أنت أعلم وأفقه، فأفتها. فقلت: أفتيتها بكذا، فقال زرعة: القول ما قال أبو حنيفة. فرضيت وانصرفت”.

وسئل أبو عمر عن ولده ذر فقيل له: “كيف كانت عِشْرته معك ؟”، فقال: “ما مشى معي قط في ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى سقفا كنتُ تحته”.

وكان زين العابدين كثير البر بأمه، حتى قيل له: “إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة ؟”، فرد عليهم: “أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها؛ فأكون قد عققتها”.

ذكر علماء التراجم أن ظبيان بن علي كان من أَبَرِّ الناس بأمه، وفي ليلة باتت أمه، وفي صدرها عليه شيء، فقام على رجليه قائمًا حتى أصبحت، يكره أن يوقظها، ويكره أن يقعد.

كان حيوة بن شُرَيْح يقعد في حلقته يُعلِّم الناس، فتقول له أمه: “قم يا حيوة، فألق الشعير للدجاج”، فيترك حلقته، ويذهب لفعل ما أمرته أمه به.

وقد بلغ من بر الفضل بن يحي بأبيه أنهما كانا في السجن، وكان يحي لا يتوضأ إلا بماء ساخن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فلما نام يحي قام الفضل إلى وعاء وملأه ما، ثم أدناه من المصباح، ولم يزل قائما والوعاء في يده حتى أصبح.

وقال جعفر الخلدي: “كان الإمام الأبار من أزهد الناس، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، ثم ماتت فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى “بلخ” وقد مات قتيبة، فكانوا يعزونه على هذا، فقال: هذا ثمرة العلم؛ إني اخترت رِضَى الوالدة. فعوّضه الله علمًا غزيرًا”.

فإذا كان هذا هو حال السلف مع والديهم…. فكيف نحن بحالنا مع بر الوالدين… أعتقد أن برنا بحاجة إلى بر!!!

التطبيق العملي
رفقا ياشباب وفتيات المسلمين بالأباء والأمهات……. توصية اليوم….. الرفق بهم…

1 – قَبِّلوا يد والديكم في الصباح والمساء….. وعاملوهم بإحسان

2 – تمالك نفسك عند الغضب، وتذكر حقهم عليك…. فلا تجعل الصياح هو عِلاج لأي موضوع بينكم…. ومهما حدث لا ترفع صوتك عندهم

الدعاء
اللهم أعنا على بر والدينا، اللهم وَفِّق الأحياء منهما، واعمر قلوبهما بطاعتك، ولسانهما بذكرك، واجْعلهم رَاضين عنا، اللهم من أفضى منهم إلى ما قدم، فنور قبره، واغفر خَطَأه ومعصيته، اللهم اجزهما عنا خيرًا، اللهم اجزهما عنا خيرًا، اللهم اجمعنا وإياهم في جنتك ودار كرامتك، اللهم اجعلنا وإياهم على سرر متقابلين، يسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مِسْك.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

موضوعات ساخنة

اترك تعليقاً

Close Menu